ابن عربي

349

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » فيعمل بعلمه ، فما علم أنه يكون كونه ، وما علم أنه لا يكون لم يكونه ، فكان عمله بعلمه .

--> والذي يشترط الوطء في ذلك يفتقر إلى نص من الشرع ، وقد ورد في ذلك حديث ولكن فيه نظر من حيث أنه قضية في عين ، وتتضمن هذه الآية صحة نكاح المحلل ، فإنه أرسله مطلقا من غير تقييد ، ويخرج قول النبي عليه السلام : [ لعن اللّه المحلل والمحلل له ] مخرج اللغو في الأيمان ، إذ كانت اللعنة بمعنى البعد ، فكأنه قال : لعن اللّه ، أي أبعد اللّه ، المحلل والمحلل له ، لما في ذلك من عدم الغيرة وقلة المروءة ، فلا يريد به الجزم بالدعاء عليهما ، ولا الإخبار عن اللّه أنه أبعدهما من رحمته ، والأظهر أنه بعد من المروءة والغيرة المستحسنة في الرجال ، ولهذا جوز نكاحه من جوزه ، وهو الأوجه في المسألة ، إذ كانت لعنة المؤمن حرام ، والنبي أبعد من كل ما ينهى عنه ، فإنه اتقى للّه ، وقد روينا عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما أنه قال لامرأة مطلقة بالثلاث : يا فلانة وهل تستحلي بأحد أفضل مني ، فتبسمت ، فلو فهم من لعنة النبي عليه السلام ما فهم من لم يجوز ذلك لكان الحسن أبعد منه رضي اللّه عنه ، قال تعالى : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وهو من أهل البيت بلا شك ، وقد أخبر اللّه أنه طهرهم وأذهب عنهم الرجس ، وخبره صدق ، وهذا يدل على عصمة أهل البيت في حركاتهم وحفظ اللّه لهم في ذلك وليس ذلك لغيرهم ، فقد رأى الحسن نكاح التحليل « فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » يقول : فإن طلقها الزوج الذي وقع بنكاحه الإحلال ، فللزوج الأول أن يراجعها ولها أن تراجعه « إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ » أي إن غلب على ظنهما أن كل واحد منهما يقوم بحق اللّه فيما أوجبه اللّه عليه في معاشرة صاحبه ، إذ كان سبب الخلع الخوف من ذلك قال : « وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » يعني مواقع الكلام والبيان ، ثم قال : ( 232 ) « وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا » يقول : « وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ » فإن أراد الطلقة التي يملك فيها الرجعة إلا أنه لم يراجعها حتى انقضت عدتها على اختلاف أحوال النساء في العدة ، مثل اليائسة والحائض والتي لم تحض بعد وغيرهن ، وقد يريد في الطلاق البائن الذي لا يراجعها إلا برضاها أو المحلّلة إذا انقضت عدتها من الثاني ، كل ذلك سائغ في تأويل هذه الآية ، وفي الكلام حذف ، وهو فراجعتموهن بعد فراغ الأجل « فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » أي بما أمر اللّه أن تمسك به ، وإن لم تطق على ذلك فقد جعل لك سراحها فقال : « أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » أي لا تسرحوهن بما لم يأمر به اللّه فهو قوله : ( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ) ثم قال : « وَلا تُمْسِكُوهُنَّ